حياة كاملة عبر الذاكرة
تقييم ومراجعة رواية القوقعة يوميّات متلصّص — للمؤلف مصطفى خليفة عن نشر دار الآداب ٢٠٠٨
![]() |
| صورة غلاف الكتاب، القوقعة 🐚 |
كنت اتألم بشدة وأقبض في يدي بطانيتي الخضراء ثم أعض عليها في فمي بقوة واهدأ، وجسدي يتعرق بقوة من الألم، فتدربني ماما على التنفس بعدما جعلتني أبتلع حبوب المسكن، فأخذت انزف وبدأ يخف الألم تدريجيًا بعد التنفس المتكرر صار يذهب ويجي، وحينما يذهب التفت لما فيه من حال. لقيت القوقعة فوق كتاب الضحك والنسيان، اخذته وشرعت في القراءة بدون تفكير، وإلا بي وصلت صفحة خمسين! ونسيت إنني أتألم، وإنني أنزف وإنني أدفع ثقلي في قدماي. فأخذت أفكر في المصيبة التي حدثت في هذا الكتاب! ولكن صادفت أن يقع كتاب الضحك والنسيان في نوفمبر، والقوقعة في ديسمبر. لم أصبر أكثر من كذلك وشرعت في قراءته.
فإذ كانت البداية أنستني ألم الحيض، كيف ستكون التجربة بأكملها؟
القوقعة هي شعور المرء في الغربة في بيئته، في منزله، في وطنه. — لطالما أحببت الأعمال الديستوبية، سواء في الكتب أو حتى مسلسلات وأفلام، مثل سلسلة ألعاب الجوع التي تحدثت عنها كثيرًا في مدونتي في سواليفي. وحكاية أمة، ومؤخرًا مسلسل الانفصال. ومن باب الشعور بالذنب فأنا بالفعل لا أعرف مدى مصداقية هذه الرواية إلا أنها كانت جيدة للغاية في بناء العالم السوادي الذي قرأته وشاهدته في الأعمال. مما تحمل كافة العناصر التي تبني هذا المشهد، مثلًا السجن، التهم، الضرب المبرح دون معرفة السبب، يحاسب المرء لأنه يعتنق دين معين، أو إنه متطرف، أو سياسي بحت. حتى من دون أدلة كافية.
ومن خلال انغماس التجربة فأننا لا نعرف بطلنا لا اسمه ولا عمره عداء إنه سوري الجنسية ومسيحي، وهذا يخدم الرواية بشكل كبير، لأننا بصدد قراءة يوميات سجين واليوميات هذهِ صورة كبيرة عن السجن الداخلي وحياته، وحياة السجين. وما حكاية السجون في سوريا في ظل سلطة الأسد. وكيف يردد العسكريون النشيد الوطني لفداء النظام السياسي دون وعيٍ كافِ منهم. فعلى أولئك المسجونين قسرًا أن يقدموا قربانهم في ترديد هذه العبارات حتى لو لم يكن مؤمنًا بها أو غير مهتم.
أنجذب بشكل خفيف إلى السياسة، فهي رمزًا وقاعدة أساسية لأيّ نظام دولي. وقد عبرت إنني كنت أهتم في السياسة ثم توقفت عن ذلك. وأيّ عمل سياسي ابحث عنه وأقرأ تحليلات ونظريات الآخرين وهذا يعجبني جدًا. ويدفعني للبحث أكثر ثم إعادة صرف النظر عنه.
كسلحفاة أحسَّتْ بالخطر، وانسحبت داخل قوقعتها، أجلس داخل قوقعتي… أتلصَّص، أراقب، أسجِّل، وأنتظر فَرَجًا.
كانت من المفترض أن تكون مقدمة جيدة وبداية مذهلة، لكنها انبثقت هذه الجملة بعدما قرروا المساجين في السجن مقاطعة سجيننا البطل، لأنه أعترف بأنه مسيحي، عفوًا ملحد. قد يفعل السجن أكثر من ذلك وقد يغير آراء أيضًا. فينطوي على نفسه ويقاطعه الجميع، وينسى كيف يتحدث، بعدما أقبل بسرور على الطبيب زاهي، لكن ينتهي فصله سريعًا في سرد الأحداث. وتتلاشى الشخصية فيعود الراوي إلى الإنطواء الانكفاء، والعزلة. تخيّل فوق معاناة التهمة والسجن لا يتحدث إليك الناس بغض النظر عن أي خلفية أو هوية تملكها!
هناك شخصيات لكنها محدودة جدًا، أشعر أحيانًا بأنني مغصوبة العينين والكاتب يحاول أن يرشدني على الطريق الصحيح من خلال صوته فقط. مما يجعل ذلك يشوش ذاكرتي وذهني على الفهم. ويصعب علي تخيَّل ما قد يعيشونه خلال النص بأسلوب كتابة يومية فقط.
تظهر لنا شخصية زاهي واضحة جدًا للعيان، ثم سريعًا نفقدها. وسبب فقد زاهي هو فقد الإنسانية بقميتها. ليست إلا تعريفًا نقيًّا بمدى أهمية الإنسانية للإنسان. وهذا ما يظنه البطل بنفسه، أو مدون اليوميات. لأن أشعر بأنَّ كلمة بطل كبيرة في هذا السياق لأنه لا حيله ولا قوة له. وبعد كتابتي لهذه الفقرة في الأسبوع الأول تفاجأت بالأسبوع الأخير أن الشخصية قال مثلما شعرت "كان أكثر ما يضايقني، خلال هذه الشهور الثلاثة هو معاملة الآخرين لي بصفتي بطلًا".
لا تتوقع كثيرًا من ناحية الجودة الأدبية، فالقوقعة من عنوانها السفلي إنها يوميات، وتسرد بالفعل على إنها كذلك. قد قرأت يوميات من قبل لكنها ليست بهذهِ الطريقة. فهنا مختلف تمامًا وكأنك تقرأ دفتر خاص لشخصٍ ما. وهذا أثّر بالفعل عليَّ وأفقدني متعة إنني بالفعل اقرأ كتابًا أدبيًا! وشعرت بالملل ولم تجذبني الأحداث والغموض الشديد في هذه المرحلة. والذي يضيف تأثيرًا آخر على ذلك هو مجهول الشخصية تمامًا. لا أعرفه ولم أتعرف عليه، لا اعرف آراءه وثقافته وخلفيته عداء فقط إنه مسيحي ومخرج. وهذا غير كافي بالنسبة لي لأتعاطف. وقد كتبت عن هذا الموضوع سابقًا في إحدى تدويناتي معبرة بصراحة عن ارتباطي بإحدى شخصيات الرواية بسبب جهلي التام عنهم. وربما قد تقول الأحداث كفيلة بسير القصة، أتفق نوعًا ما لكن الشخصية عنصر مهم جدًا بالنسبة لي على الأقل.
رغبت حقًا بجودة كتابة أعلى من ذلك حتى أتعاطف، حتى أتألم أريد ذلك فعلًا، فأنا اقرأ وأغلق الكتاب دون مشاعر! وهذا يؤلمني بالفعل! على عكس ما كان يفعله ميلان كونديرا فهو كتم على أنفاسي بما يؤلمه من وطنه! وسبحان الله كيف ترتبت قراءتي بهذا الشكل لا أدري! شهر نوفمبر كاد أن يقتلني وشهر ديسمبر كاد أن يفقدني لذة القراءة.
فأنا لا أعرف شيئًا حقًا بما حدث مع ميلان كونديرا أو حتى وطنه ولا أعرف الدولة أصلًا، وانا على علم بما يحدث في سوريا ومؤخرًا عرفنا الجرائم المؤلمة التي حدثت في صيد نايا وغيرها، لكن هنا لا أشعر بشيء! كأنني اقرأ يوميات مترجمة لهوية ثقافية لا أعرفها. ليست سورية إلا باللهجة فقط وعبر الشتائم.
اقرأ تعليقات القرّاء بأن الرواية تسببت لهم باكتئاب شديد وخوف وربما هلع وقد تصل إلى عدم النوم. أحسدهم صدقًا، لأني أريد شيئًا من مشاعرهم هذهِ لكنني لا أعاني من شيء، لا خوف ولا حتى قلق! بل اسوأ، صدمة أنه الكتاب ليس بتلك الجودة التي توقعتها. وقد فقدت متعتي بعض الشيء حتى بعدما صرت اقرأ بدون إحضار أيّ مشاعر أو استعداد، أصبح الموضوع مجرد تنفيد مهمة في جدولي لا غير. على عكس حماستي الشديدة التي كنت أشعر بها حينما كنت اقرأ لميلان!
لنهدأ قليلًا. عليَّ تقدميها بالشكل الذي تحتاجه. كما قلت لا نعرف بطلنا بشكل جيد عدا إنه مسيحي، وفي بداية الرواية عفوًا اليوميات، قال بأنه مخرج سينمائي عائد لوطنه ليفخر بانجازه ويعمل بثقه في أرضه، لكنه من لحظة صعوده إلى الطائرة وهو معصوب العينين، لا يعرف مصيره، ولا يعرف تهمته، هل كان الإخراج السينمائي جريمة يعاقب عليها القانون؟
ينتقل إلى السجن بعد عدة مراحل من التعذيب حتى يعترف بالنص الذي يريدون سماعه. لكنه لا يفهم ماذا يريدون منه بالضبط! أنه يجهل بشأن هذهِ المعمعة!
يتلقى ضربات على قدميه حتى يغشاه الظلام ويغمى عليه ويحدث أنه مثناته أخذت تتصرف من الخوف بدلًا عنه!
تجري الأيام لكنها تخفف من سرعتها نحو القلق والخوف ونحو كل باب يغلق عليهم، يقذف كلمة أنه "ملحد" كقذفة القنابل على أرض الحروب، وكانت هذه الكلمة كالقيد الحديدي أمام المساجين المسلمين! وبين المواقف الحياتية المؤلمة التي تحدث لأبد أن تبتسم وتنظر وتتكلم حتى في ذروة المقاطعة. يحدث أن يقدم الراوي ساعته إلى احدى الأطباء لأجراء عملية استئصال الزايدة لإحدى المساجين، فكانت هذه كما التحرر من كل القيد الذي وضعه في بداية حبسه، لا يتحدث معهم لكن على الأقل بيّن لهم أنهم يعانون تحت سقف واحد ولا ينوي شيئًا حتى لو "فزلق" وقال أنه لا يؤمن.
صُعقت من كتابته عن مشاعره عن زميله!
مما جعلني استفزّ من النصوص ولمجرد التفكير بها!
لكن لعلنا نفكر بصدق ونيّة سليمة، بأن السجن يحوّل الإنسان إلى كل شيء عدّا أن يكون إنسانًا، فربما هذا التفكير يخفف حدّة الفكرة ولأبد أن أصرف عقلي عنها.
وأخيرًا، يخرج البطل الناجي، وحتى هذهِ اللحظة بعد كتابة ١٣ سنة، لا نعرف اسمه. والهوية المخفية وهذهِ قد لا تبني جيدًا في عقلي لما ما سأقرأه لكنني شبّهته بملامح بطل فيلم ١٩٨٤، خدود غائرة ونحف شديد. وخوف من الخروج حرًّا بعد ظلامًا دام طويلًا. وكأنه يزحف على الأرض ليعود إنسان مجددًا، يعود لعلاقاته، لأسرته، يتعرف على وطنه مجددًا. وهذا يؤلم أكثر من أيّ شيء مضى. أن يتعرف المرء على نفسهِ مرة أخرى. وكل ما كتبه وقرأته وكل ما تخيَّلته لا شيء أوجعني حينما ردد إنه عاجزًا ويريد أمه. شعرت بكل كلمة آسف تتردد بشفقة مميتة اتجاه.
أنتهت رحلة ديسمبر، رحلة عام ٢٠٢٥ بسلام وآمان من الله، أنتهت قراءة القوقعة وتركتني مجوفةً من الداخل بطريقتها الخاصة.
الكتابة الذهنيَّة أسلوب طوَّره الإسلاميُّون.
عند الأعمى الصوتُ هو السيِّد.
الجُبن لا يلفت النَّظر بقدر الشجاعة.
إنَّ الله خلق للإنسان فمًا واحدًا وأذنين اثنتين حتَّى يسمع أكثر ممَّا يتكلَّم.
إنَّ الإنسان مستعدّ لأن يضحّي بحياته في سبيل المعرفة.
إِنَّ الإنسان لا يموت دفعة واحدة.
— التقييم النهائي: ٦ من أصل ١٠ 🐚.

.png)

تعليقات
إرسال تعليق
شاركني رأيك، لأنه يهمني.. الخانة مفتوحة لبحر كلماتك 💌